الشاب والشيخ

الشاب والشيخ


 الشاب والشيخ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لم يتبعقر أحد على الأرض الواقع، ولم ينل أحد الأشراف العالية، ولا المناصب المرموقة إلا وقد بذل دونه قصارى جهوده أيام فتوته ولياليها، وكافح المشاق وناضل العويصات الباهضة وهو فى مقتبل عمره، وهاجر البيت وأقض مضجعه، والفرش الوثيرة عند بلوغه أشدته.

فالشاب لم يخطو خطوة ولم يسلك مسلكا إلا وهو قد رجع موافى الأماني، مليئ الجعبة، موفَّر الكمين، ومليئا بالعقل والعلم إلى الصدغين، وهو الذي يسخر المضائق بالكد الحثيث، ويجعل العظائم مناقص بالسهر الطويل، ويجتاز العواصف الهدامة بالكدح القاصم.

وإني لا أبالغ في وصف الشبان بل أخاف أن أقل في شأنهم، وأن يعجز يَراعي عن كتابة محاسنهم، وأن تكبل الأنامل عن عد محامدهم ، فإنك لا تجد صفاقا، ولا أفاقا، ولا عمالا، ولا ذا آمال، ولا المكد، ولا المجد، ولا الكادح، ولا الكافح،  ولا العزام، ولا الحزام، ولا الهاجر، ولا العازل، ولا الصمود، ولا الثبور إلا وتجده في معظم المواقف شابا يناهز ثلاثين عاما أو أقل منها أو أكثر بقليل.

فإن الأديب في حفظ النصوص من المنظوم والمنثور، والفقيه في حفظ الأقوال المشتتة من روايات المذاهب وغيرها يحتاجان إلي ذاكرة قوية وطاقة شابة طازجة غير مأروزة.

وإن السلطان يحتاج في سيطرته وبقاء هيمنته، إلى مقاتل منبه، مرهف العزم، دائم السعي، قوى السواعد، شارد السنة،مفتوح الجفنة، وهل هذا إلا الشاب المتصلب.

وإن الأوطان تحتاج في الذود عن حريمها عن الغاصب المحتل، أو الطاغية القاتل، إلى الشاب الحماسي الذي لم يصقل، أو من يقل تجربته العقل.

فأوصيكم أيها الشيوخ! أن لا تهملوا شبانكم، ولا تقلوا من شأنهم، ولا تعيبوهم في أقوالهم، ولا تبهتوهم في أفعالهم، ولا تقولوا لهم: مالك ولي، فعمرك عشرين وتجربتي عشرينات فإنه يؤذيهم إيذاءا لا يحتمل.

وأوصيكم! أن تشجعوهم على القليل ليتبادروا إلى العظيم، وأن تصقلوهم ليجلوا جلاء القمر ليلة البدر المنير، ليكملوا بقاياكم، وليوفوا مناصفكم، وأحسن ماقاله الحكماء: كم ترك الأول للآخر!

وإني لا أتنكر عليكم أيها الشيوخ، ولا أهمل قدراتكم، بل أقول: إن الشبان كالأشجار وأنتم بستانيوها، وإن الأرض لا تخصب والشجرة لا تثمر، إلا بعد حسن رعايتها، من وضع السماد والمادات الكيماوية، وتهذيب أفنانها من نزع الليف عنها والقشرات، فإنكم إذا ربيتم شبانكم حسن التربية فلا يبعد أن يكونوا كالمظلة المسجية فوقكم.


بقلم: محمد إبراهيم خليل الطوخي

تفاعلات

إرسال تعليق

0 تعليقات