دواعي النبوغ في اللغة العربية

دواعي النبوغ في اللغة العربية

دواعي النبوغ في اللغة العربية 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دخلت بستانا ورأيت فيه أنواعا من أشجار، آتَتْ أكُلها، ونضجت ثمارها وينعت منتجاتها، ولم تكتف على إنتاج الثمرات فحسب، بل فرَّقت أغصانها ونشرت أفنانَها، وكثَّفت ظلَّها لكل من يستظل تحت كنفها، ليُزيل عن نفسه شدة الحرارة، ويرَوِّحها عن تعب وعناءِ أشِعَّة الشمس المُرْهِقة له بلَذْعتها وحِدَّتِها، وسَطْوتِها وشدتها.

فهذا هو مثال العالم الذي يلتجئ إليه الناس في فجائع الزمان، ويأوون إليه في شدائد الجديدان، ويأمنون إليه باستظلال شجرته العلمية المتفَرِّعة الأغصان في الفنون المتنوعة من العلم والعرفان، ويقتبسون منها أنوار الهدي والرشد، والبر والتقوى والخير والصلاح، ثم مضيت في البستان تقدُّما إذ أنا بأزهار مختلفة الألوان، متشَتِّة الأنواع، متفتِّحة الأكمام، قد طيَّبتِ البيئة وعطَّرت الهواء بعبيرها الفوَّاح، وأريجها المُنعش، وعبقها المُريح، ورائحتها الزكِيَّة، يُأرْجِحُها كلُّ نَسْمةٍ من نسمات الهواء، ويُكْفِئها ويُمِيسها كل هَبَّةٍ من الهواء، ثم تستقيم مبتسمة ضاحكة، مستبشرة مستنيرة، مُتَحَدِّية للهواء المهبوب أن يفُكِّكَها من حبل غرسها، فرَاقَ لي هذا المنظر، ونال من إعجابي نيلا، وأخذ مني مأخذًا، وازداد في عيني بهجة وبهاء، وحلاوة وطلاوة، فدنوتُ من الأزهار لأعرف مدى قوَّتها، فقَطَفْتُ منها زهرةً، فما أيسرها اقتطافًا، وألْيَنها اجنتاءً، وأسهلها انفصامًا من حبل غرسها، فما مضت إلا هُنيهةٌ يسيرة، وفترة يسيرة حتى لحظتُ تَقَلُّصَ تلك الزهرة المتفتحة، وجعلت تذبل لهفًا وكمدًا على فراق مغرسها، وابتعادها عن أرض الحديقة ورَوْعَتِها، وجمالها الطبيعي ودَوْحَتها، فهذا هو مثل العربية، هي حديقة العلم المحتوية على ورود الفنون المختلفة، المُكَتِنفة أريجَ العلوم المُجْدِية.

فمن تراخَى أمره وانقطع حبله، وانفصل عن حديقة العلم وانعزل عن أرضها، خمدَتْ أحاسيسُه، وخارَتْ معنوياته، وانْهَارَتْ هممُه، فيضمحلُّ ويتلاشى. اللهم إلا من اعتنى برعاية هذا البستان والحفاظ عليه، وسقاه من جهوده الجبَّارة، ومحاولاته الحثيثة، فسهر الليالي لعنايته، ووطَّد به علاقة وثيقة، ووَشِيْجةُ مَتِيْنةً لا انفصام لها، فينمو علمه، وتسمو شخصيته، ويعلو شأنه ويتكامل بنيانه.

وبعد هذا التمهيد نخوض غِمار الموضوع ونبحث عن العوامل والأسباب التي تُقَوِّي الطالب في العربية، وهي كالآتي:

أولا: الانعكافُ والانكباب على النطق بلغة الضَّاد، والمواظبة على الكلام الفصيح النقيِّ من كل تصنُّع وتَكَلُّف وتَعَسُّف و لَحْن، وأخْذِ الصحيح ونبذ السَّقيم من العبارات والمصطلحات. 

وحُقَّ لطالب العلم الشرعيِّ أن يرَطِّب لسانه بالعربية عاضًّا عليها بنواجذه، لإنه سيصبح عالما بدين الإسلام وسيعُدَّ من ورثة الأنبياء - عليهم السلام-  وليس من إرث الأنبياء إلا العلم، والعلم الإلهي الموحى إلى نبينا - عليه أزكى الصلوات وأسمى التسليمات - تكْمُن كنوزُه، وأسراره ورموزه في العربية، فكيف ينالُه من لم يطَّلع على عنوانه ولم يهتد إليه سبيلا؟! فإذا رامَ الطالب التبحَّر والتَقَعُّر في العلوم والغَزارة فيها فلا يسعه إلا التَّضَلُّع والتَّمَهُّر في العربية والنبوغ في أدبها، ونثرها وشعرها.

ثانيا: مما يُقَوِّي الطالب في العربية كثَافةُ مطالعةِ الكتب الأدبية التي تحوي على المكتبة العربية الفصحى الضَّخمة، وتضمُّ دقائقها وغوامضها، وتنضوي على مغزاها وفحواها، وتَطَّرِِد على جواهرها ولآليها. فينبغي له أن يُلِمَّ بالأدب القديم والمعاصر، ويتذوق النثر والشعر، والحكم والأمثال، والمصطلحات والتعبيرات، ويَطِّلع على أساليبه وأنواعه.

ثالثا: عليه أن يعوَّد نفسه بحفظ كَمِّ جَمٍّ من الأحاديث النبوية، فإنَّ وَعْي الأحاديث النبوية يشرح صدرَه، ويحلُّ عقدةَ لسانه، ويَجْلِب إلىه الفصاحةَ، ويُنَحِّي عنه عَثَراتِه، ويساعده في تصويب زلَّاته اللغوية؛ لأنه كلام أفصح البشر على الإطلاق، ولا بِدَعَ أنه سيسانِدُه في بُروزه في العربية الفصحى، وبالتَّالي إذا قصد الإنسان أن يستشعر غايةَ ما جاء به القرآن من الأفكار والحكم المودَّعة فيه من جانب الله تبارك وتعالى، فعليه مضاعفةُ جهودِه صوبَ العربية، والإلحاح البالغ في النُّطق بها، والانتهال من مَعِينها، والارتشاف من ينابيعها، والاستسقاء مواردها، والالتهاج بالفصحى، لأنَّ الفصاحةَ لها وقعٌ كبير في النُّفوس، وأثرٌ بالغ في القلوب والخلود، فهاكم الكفُّار لمَّا سمعوا القرآن الكريم، وقرَعت آذانَهم فصاحتُه تأثَّرُوا به، فقالوا: (لا تَسْمَعُوْا لهذا القُرآنِ وَالْغَوْا فِيْه لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُوْنَ) ففصاحةُ القرآن جَذَبَتْ قلوبَهم، وسَحَرتْ عقولَهم، وجَلَبَتْ نفوسَهم إلى الإسلام بغير استئذانٍ، وهاكم الصَّحابةُ الكرام - رضوان الله عليهم أجمعين - عندما سمعوا القرآن، ولاحظوا أسلوبَ بيانه لم يملكوا أنفسَهم إلا اعتنقوا الإسلام. فالفَصاحة نعمةٌ جليلة يمنُّ بها الله تعالى على من يشاء من عباده، وميزةٌ عظيمةٌ لكُلِّ من يمتاز بها، وهي التي يَذْكُر بها الله تعالى نبِيَّه داود - عليه السلام - حيث قال: (وآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ).

رابعا: التدُّرب على الخَطابة حيث أنَّ الخَطابة تُزيل عن الإنسانِ عقدةَ اللِّسان، وتُوْرِثُه الجُرأةَ والتَّجَاسُر على البيان،  فتُهذِّب كلامَه، وتقوِّم لسانَه، ويتوصل بها إلى أعلى المراتب، وتظهَر قوَّةُ منطِقه، ويغلب على من يُعادِيه، فيَتَمَكَّنُ بها من أنْ يُقَاوم أعداءَه بسِيَاغَة البراهين القاطعة، والحجج العلمية السَّاطعة التي طالما وعاها في صدره وعجز عن سِيَاقها.

خامسا: التَّدُّرب على الكتابة العربية، فالكتابة تُحكِّم قوَّة الإنسان الفكرية، وتكشف عن مواهبه ومؤهَّلاته العلمية المضمَرة في حنايا صدره، والمودوعة بين جنبيه، فالمولع بالعربية لا يُقَصِّر في هذا الجانب، ولا يتغافل عن أهميتها مَنْ شَغَفَها حُبُّها، وهي مِنْ دَواعي تَشْحِيْذِ الفكر؛ لأنَّها ترتبط بالفكر، وألفاظُه تَعْكِسُ نُضُوجَه الفِكْري، لذا كلَّما اتَّسع العالم في الكتابة بالعربية زادَ علمه، وانفتحت أمامه آفاقُ المعلومات التي طالما يجهلها، وتدفَّقت بين يديه عيونُ المعرفة، وتعمَّق رسوخُه في العلم. 


بقلم : امتیاز أحمد عبد الرؤوف السندي


تفاعلات

إرسال تعليق

0 تعليقات