العربية حديقة العلوم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أردت الذَّهاب يوما إلى الحديقة لأروِّح نفسي عن الأشغال المتراكمة، والأعمال المتزاحمة، والسآمة المتزايدة، والكآبة الطارئة برَوْعَتِها الباهرة وجَمالها الطَّبيعي، فتعودُ إلىَّ النَّشاط والحَيَويَّة، وتَتَشحَّن بطاريتي المنخفضة، وأتَفَسَّح بعد ما خالطني الانكماش والانقباض، وأصابني الانطواء والملل، وأرهقني التَّعْب والنَّصَب، فانطلقتُ صوب الحديقةِ، فلمَّا وقع بصري على بَهائها من بعيد، ولاحَتْ لي عذوبةُ منظرها لم أتمالك نفسي إلا أن أسَارع الخُطا نحوه لأدرك أرضها البِكْرَ في أسرع ما يمكن، حتى آنَ الأوان أن أطأ رحابَها بقَدَميَّ، فأخذتُ أسِيح فیها وأسير، وأحوم وأتجوَّل، وكان يروق لي ذلك، فبَعد بُرْهةٍ وجيزة، وهُنَيْهَة يسيرة على غوطة الحديقة، وبسطاها الأخضر، المُغَطَّى بالعُشب والكلأ، المُلْتَفِّ بالأشجار العالية، والأفنان الدَّانية، المحفوف بالأزهار المزدهرة المتلَمِّعة، أحسَسْتُ كأنَّ الكربَ زال، والضِّيق قدِ انْفَرج، والقلب قد انْتَعش، فطفقتُ أتَعَجَّب من منظر الحديقة المُغْرِب، وألمح من بَهاءِها المُبهج، وأتحبَّذ خضرتَها المريحة.
كُلُّ مَنْ وَلجَ فيها علا الحبورُ على وجْهِه، وبدَتْ سماتُ السَّعادة على جَبْهَته، واسْتنارَتْ أساريرُ جَبِيْنه، وسادَتِ الحَفاوةُ في خاطره، ودبَّتِ الحياةُ في عروقه، وهشَّت قريحتُه المَنْقَبِضة، وبشَّتْ طبيعتُه التَّعِبة، وما يزيدُ المنظرَ حلاوةً وطلاوةً شتلاتُ الزُّهور المكثَّفة، وباقاتُها المُنَسَّقة، وفوَّاراتُها المُتدَفِّقةُ، التي ترشُق الماء إلى الأعلى بصَريرٍ عَذْب، وترَنُّح مُسْحر، وخَرِيْر خَلاَّبٍ، ثُمَّ تَهْوي رشقات الماء ورشحاته إلى أرضية الفوَّارة، كأنَّها لآلي تنحدِرُ من العلوِّ إلى الدُنُّوِّ، أو من السَّماء إلى أرضيةِ الرُّخَام المُصَقَّلِ، ثُمَّ انْصَرفتُ إلى الزُّهور، وتوقَّفْت دونَها وقفة المتفرج، والناس بين ذاهبٍ وآئبٍ، ورَاحٍ وعَائدٍ، وأنَا قائم أرمُق الأزهار، وأحدِّق إليها الأنظارَ كما يُحَدِّقُ المُحِبُّ في وجه المحبوب عند اللِّقاء بعد أمدٍ طويل، فقد أوْلِعْتُ بالمنظر الجذَّاب الذي أخذ بمجامع قلبي، وسويداء فؤادي، وأجبرني على الاقتراب والدُّنُوِّ منه، فكلَّما خطوتُ شطرَه خطوةً زِدْتُّ غِبطةً وسرورًا، حتَّى انتهيتُ إلى الغاية، وبلغتُ المرام، ومن هنا انعكست النتائج، وتغيَّرتِ المناظر في خَيالي حين رأيتُ بعض تلك الأزهار المفتَّحة تذبلُ، والأشجارُ الباسقة تتكسَّر، فبدأ الحزن يملك صدري ويعتلج فؤادي، عندها أذعنتُ أنَّها في سبيل التَّلف والهلاك، وطفَق لمعانُها ينزاحُ، فتراجعتُ من تلك الحديقة متَقَهْقرًا، ودَرَجْتُ أدراجي متأسِّفا مُتكَائِبًا، وقصدتُّ ولوجَ حديقةٍ لا تَضْمَحِلُّ زهورُها، ولا تتلاشى ورُوْدُها، ففَكَّرْتُ في الأمر مَلِيًّا، هل يسعني العُثورُ على حديقةٍ لا تَقبلُ الخُمودَ والذَّبولَ، ولا تعرف الكَلَل والفتورَ، ولا تَرْضَى بالزَّوال والفناء؟؟؟
فكنتُ في كَيْتَ وذَيْتَ إذ طرأتْ على بالي فكرةٌ تَطَرَّقَتْ إلى ذهني، ونفَذَتْ إلى دماغي، وهي أنْ لا زهورَ في الدُّنيا أكثر لمعانًا، وأطولَ مكثًا، وأجزلَ نفعًا، وأفْوَحَ عبَقًا من الزهور المقتطفةِ من الحدائِق العلمية، النَّابتةِ من الأنوار الإلهية، فهممتُ إدراكَها، والحصولَ عليها، ولكن كيف يتَسَنَّى لي نيلُها إن لم أطأ رحابَها، ولم ألِجْ غِمارَها، ولم أسلك مسلكَها، فيا تُرَى أين تلك الحديقة العلمية التي يَتَنَضَّر تَنَضُّرًا سَرْمَدِيًّا مَنْ تَخَلَّلَها، وأين تلك الحديقةُ التي تَحْتوي على الدُّرر واللآلي من مختلف العلوم والفنون، ألا وهي العربية التي تكتنف الدُّرَر النادرة، والجواهر الفَذَّة، والعيونَ العِلْمِيَّةَ الفريدةَ، السَّائغة العذبةُ، السَّائلة الصَّافيةُ بين دُفَّتَيْ أحْضَانِ الكتب العربية.
فيا للعجب !! لمن مر ببحر العربية، ولم يغترف من ماءه!! وطوبى لمن خاض هذا البحر فمضى إلى عبابه وغاص في أمواجه، وبلغ إلى لجه، فانتهى إلى أوجه، ونهل من ماءه حتى أشبع نفسه. فهنيئا له.
بقلم: امتياز أحمد عبد الرؤوف السندي
نائب رئيس رابطة علماء السند

0 تعليقات